أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
321
التوحيد
أي بكل شيء شاءه فقدره وصوره فهو محيط به من كل جهة من جهاته ، فهو تعالى الوجود الواحد الحق المحيط بكل شيء إحاطة واحدة باعتبار تقديره للشيء وتصويره له . ( وأما من أقواله ) أي النبي ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ( أصدق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد ) الشاعر المشهور في الجاهلية ( ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل ) أي عدم صرف مقدر بتقدير اللّه مصور بتصويره تعالى وليس له وجود ، وإنما الوجود الواحد الحق هو اللّه تعالى وحده ( وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إن أحدكم إذا قام للصلاة فإنما يناجي ) أي يكلم في نفسه ( ربه ) « 1 » ويكلمه ربه لا أنه يحدث نفسه وتحدثه نفسه ، وإن لم يعلم ذلك لعدم معرفته بربه ، ولهذا قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ فسمي ذلك وسوسة في النفس لعدم معرفة الإنسان بربه ، ثم قال تعالى بعد ذلك : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ أي من سبب حياته الذي به سمي ذلك وسوسة وهو حديثنا له من شدة قربنا منه لا حديث نفسه ولكنه لا يعلم ذلك ونحن نعلمه ( فإن ربه بينه وبين القبلة ) كناية عن الوجود الواحد الحق الظاهر بتقدير الإنسان وتصويره وتقدير القبلة وتصويرها وتقدير صلاة الإنسان وتصويرها ( وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم عن اللّه عز وجل ) في الحديث القدسي فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال اللّه عز وجل « من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه ( ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ) إلى آخر الحديث فقوله لا يزال ، إشارة إلى نية الدوام والثبات على الطاعة من أول الأمر بحيث لا تكون طاعته مغباة بحصول أمنيته . وقوله : عبدي ، إشارة إلى الاتصاف بصفة العبودية وهي الرضا بأفعال الرب سبحانه وتعالى فيما يحب العبد وفيما يكره ، وإلى صحة النسبة إليه تعالى بالعبودية لا إلى غيره سبحانه ، ومن أحب شيئا فهو عبده فمحب الدنيا عبد الدنيا قال عليه الصلاة والسلام « تعس عبد الدنيا وتعس عبد الدينار » « 2 » . وقوله : يتقرب ، إشارة إلى نية القرب إلى اللّه تعالى بالعمل لا إرادة الجنة به ولا النجاة من النار ولا غير ذلك وهذه وهي شروط السالكين في طريق اللّه تعالى دون من عداهم . وقوله : كنت سمعه الذي يسمع به ، أي لا سمعه الذي لا يسمع به وهو القوة النفسية المنبثة في أذنه فإنه لا يسمع بها ، وكذلك
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها . . أبواب المساجد ، حديث رقم ( 397 ) [ 1 / 159 ] ، حديث رقم ( 551 ) [ 1 / 390 ] . ومسلم في صحيحه ، باب النهي عن البصاق في المسجد ، ورواه غيرهما . ( 2 ) روى شطره الثاني البخاري في صحيحه ، باب الحراسة في الغزو . . ، حديث رقم ( 2730 ) [ 3 / 1057 ] وابن حبان في صحيحه ، ذكر الزجر عن أن يكون المرء . . ، حديث رقم ( 3218 ) [ 8 / 12 ] ورواه غيرهما .